إيران الجديدة: أسئلة الدولة والشرعية والمسار الديمقراطي
نستراك - يتقدّم السؤال الإيراني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، إلى واجهة الاهتمام الدولي والعربي معًا. فبينما تبحث الإدارة الأميركية، برئاسة دونالد ترامب، في مجموعة من الخيارات التي تتراوح بين الضغط العسكري والعقوبات والدبلوماسية، تبدو إيران نفسها على حافة تحوّل تاريخي محتمل، يتجاوز مصير شخص مرشدها الأعلى علي خامنئي، ليطال بنية نظامٍ متكامل تشكّل على مدى أكثر من أربعة عقود، والعالم كله يتوقع في لحظة ليست ببعيدة أن يسقط هذا النظام.
ولكن، سقوط نظام الملالي، إن حصل، لن يكون مجرّد تغيير في القيادة، بل هو سيشكل زلزالًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، داخل إيران وخارجها. إيران لم تُبنَ كدولة طبيعية يمكن تبديل رأسها واستمرار مؤسساتها بسلاسة، بل هي نشأت واستمرت كمنظومة أيديولوجية وأمنية مترابطة، سخّرت السياسة والدين والاقتصاد والمال والعقائد أدوات في خدمة حكم مركزي شديد الانغلاق، ولا يتحمل أي نوع من الاعتدال.
والخطأ الشائع الآن في مقاربة المشهد الإيراني هو اختزال النظام في شخص خامنئي نفسه. صحيح أن خامنئي يمثّل قمّة النظام، ورأس الهرم، لكن الهيكلية الحقيقية تيقوم على أعمدة ثقيلة: الحرس الثوري، أجهزة أمنية متعددة، شبكة اقتصادية ضخمة، وقضاء وإعلام عقائديين، فضلًا عن نفوذ خارجي تمثّل في ميليشيات مسلحة بُنيت لتكون العمق الاستراتيجي لها.
من هنا، فإن سقوط خامنئي لا يعني تلقائيًا انهيار النظام، بل يفتح على ثلاث احتمالات كبرى: انتقال تفاوضي تُدار فيه عملية تفكيك تدريجي مقابل ضمانات للنخب المتحكمة؛ أو انهيار متسارع يؤدي إلى فوضى مركزية وصراع على السلطة؛ أو إعادة إنتاج النظام عبر تغيير القمة مع الحفاظ على الجوهر، تحت عنوان الإصلاح أو الإنقاذ.
أيًّا يكن المسار الذي يُمكن سلوكه، فإن معيار الحكم على إيران الجديدة لن يكون سهلاً، بل هو يتمثّل في إمكانية الإجابة عن أسئلة جوهرية في مَن يملك القوة العسكرية وقيادتها وتوجيهها؟ ومن يملك القرار السيادي؟ وكيف يُدار الاقتصاد في بلد الشفافية فيه تساوي صفراً؟
هُنا يُطرح السؤال الآتي: هل عودة الملكية هي الحل؟ أم أنها حنين سياسي لفئة من الإيرانيين، أو هي في عمق الموضوع، مأزق كبير لشرعية في طهران؟
في خضم النقاشات، يطفو اسم رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، كخيار يطرحه بعض المعارضين. غير أن العودة إلى الملكية ليست أمراً بسيطاً. فالتجربة الشاهنشاهية لا تزال حاضرة في ذاكرة شريحة واسعة من الإيرانيين بوصفها تجربة استبداد وتبعية وقهر وحرمان من الديمقراطية، وهي الذاكرة ذاتها التي مهّدت لاندلاع ثورة 1979.
النظر إلى الوضع الإيراني وبواقعية سياسية يشيرُ إلى أن بهلوي قد يلعب دورًا رمزيًا أو توحيديًا في بعض الأوساط، لكنه لا يستطيع أن يكون حلًا جامعًا، ولا ندري كم هي قدرته على طرح مشروع ديمقراطي واضح والسير فيه بنجاح. إيران اليوم لا تبحث عن استعادة الماضي، بل عن صيغة مستقبلية تضمن الكرامة والحقوق والفرص، بعيدًا عن العقائدية السياسية، أيًّا كان شكلها. فالديمقراطية في إيران لن تكون مسارًا سهلًا. فالنظام الحالي دمّر الحياة الحزبية، وسيّس القضاء، وربط الاقتصاد بالمؤسسة الأمنية، وراكم الخوف العميق في المجتمع. لذلك، فإن أي انتقال ديمقراطي جدي يحتاج مرحلة انتقالية واضحة المعالم، محددة زمنيًا، تُعاد فيها كتابة الدستور، ويُصلح فيها القطاع الأمني تدريجيًا، مع إطلاق آليات عدالة تمنع الانتقام وتضمن المحاسبة ضمن إطار القوانين.
من دون ذلك، قد تتحول الديمقراطية إلى تجربة سريعة الفشل، تُستخدم لاحقًا لتبرير العودة إلى الاستبداد باسم الاستقرار.
إيران دولة متعددة القوميات والأديان والمذاهب، لكن الدولة القائمة حالياً ومنذ قيامها، فيها تعاملت طويلًا مع هذا التنوع بوصفه خطرًا أمنيًا، لا مصدر غنى وتنوّع، وهي في مستقبلها إن أرادت الاستقرار، لا بد أن تنتقل من منطق الوحدة القسرية وانكار الاختلاف، إلى المواطنة الحقيقية، وأن تقوم على اللامركزية الإدارية والسياسية، وتعترف بالحقوق الثقافية واللغوية، وأن تضمن تمثيلا سياسيا عادلا لمكوناتها، وبشكل حقيقي لا صوري، وغير خاضع للانتقاء أو الاقصاء المسبق. استمرار التهميش لن يؤدي – بطبيعة الحال- إلا إلى إنتاج الاحتقان والتوتّر، وربما تفكك الدولة نفسها.
وفي نفس الإطار، يُمكن القول إن أهم تحديات إيران الجديدة هو فكّ الارتباط بين التشيّع بوصفه مذهبًا دينيًا، والتشيّع بوصفه أيديولوجيا حكم. نظام الملالي الذي أنشأه الخميني لم يكتفِ بتسييس الدين وجعله أداة بيد السلطة، بل احتكر أيضاً تفسيره عبر ولاية الفقيه التي ألزم تقريباُ بها كل الشيعة في إيران وخارجها، وربط الشرعية السياسية بالمرجعية الدينية الرسمية.
الخروج من هذا النموذج لن يكون سهلاً، لأن المطلوب إعادة المذهب إلى مجاله الطبيعي؛ ضمن فضاء الإيمان والالتزام، لا القرار السياسي وفرضه على الآخرين، والاعتماد على دستور يضمن حرية الاعتقاد والممارسة.
إيران الجديدة قد لا تولد بسبب تظاهرات احتجاجية، أو ببيان سياسي ولا بضربة عسكرية، بل ينتظرها مسار تفكيك المنظومة القديمة، وإعادة البناء وفق أسس حديثة وجامعة لكل مكونات الدولة، تُعيد السياسة إلى المجتمع، والمجتمع للإنتاج، في طريق قد يطول قليلاً، لكن لا بد له أن يصل إلى مكان يُحقق لشعب إيران أحلامه المكبوتة منذ أكثر من أربعة عقود. وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح الإيرانيون في تحويل لحظة الانهيار المحتملة إلى فرصة تاريخية يشهدها الشرق الأوسط، ويستفيد الجميع من تحولاتها الكبرى؟

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook